وهبة الزحيلي

58

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الإسلام ، فموتوا أنتم بغيظكم ، واللّه عليم بما تنطوي عليه ضمائركم ، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين ، وهو مجازيكم عليه في الدنيا ، بأن يريكم خلاف ما تأملون ، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها ، لا محيد لكم عنها ، ولا خروج لكم منها . ثم أوضح اللّه تعالى حالا دالة على شدة عداوتهم للمؤمنين : وهو أنه إذا أصاب المؤمنين نعمة أو خير من خصب أو نصر وتأييد وكثرة وعزة أنصار ، ساء ذلك المنافقين ؛ وإن أصاب المسلمين شر كجدب أو تغلب الأعداء عليهم - لحكمة إلهية في ذلك كما جرى يوم أحد - فرح المنافقون بذلك . ويلاحظ فرق التعبير البلاغي في القرآن بين جملتي : مس الحسنة وإصابة السيئة ، فهم يستاءون عند أدنى مس للحسنة ، ولا يفرحون حتى تتمكن الإصابة بالسيئة . ولكن اللّه تعالى ذكر للمؤمنين العلاج الناجع ، وأرشدهم إلى السلامة من شر الأشرار ، وكيد الفجار ، وهو استعمال الصبر ، والتقوى ، والتوكل على اللّه الذي هو محيط بأعدائهم ، فلا حول ولا قوة لهم إلا به ، وهو الذي ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته ، ومن توكل عليه كفاه . فإذا صبروا على أداء التكاليف الشرعية ، واتقوا ما نهاهم اللّه عنه ، لم يضرهم كيد الكفار واحتيالهم ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق 65 / 2 - 3 ] . واللّه تعالى عالم محيط علمه بعمل الفريقين ، فهو خبير بمكائد الأعداء وخفاياهم ، وسيحبطها لهم ويردها في نحورهم ، ويجازيهم على أفعالهم ، وعليم بالمؤمنين الذين يستعينون بالصبر ، ويتمسكون بالتقوى ، وهما شرط النجاح والغلبة على الأعداء .